الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

62

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ [ الأنعام : 44 ] لا سيما وقد ضرب هذا المثل لتمتع الكافرين ببغيهم وإمهالهم عليه ، ويزيد تلك الإشارة وضوحا قوله : وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها المؤذن بأن أهلها مقصودون بتلك الإصابة . ومعنى : أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أنهم مستمرون على الانتفاع بها محصلون لثمراتها ، فأطلق على التمكن من الانتفاع ودوامه لفظ القدرة على وجه الاستعارة . والحصيد : المحصود ، وهو الزرع المقطوع من منابته . والإخبار عن الأرض بحصيد على طريقة المجاز العقلي وإنما المحصود نباتها . ومعنى لَمْ تَغْنَ لم تعمر ، أي لم تعمر بالزرع . يقال : غني المكان إذا عمر . ومنه المغني للمكان المأهول . وضد أغنى أقفر المكان . والباء في بِالْأَمْسِ للظرفية . والأمس : اليوم الذي قبل يومك . واللام فيه مزيدة لتملية اللفظ مثل التي في كلمة الآن . والمراد بالأمس في الآية مطلق الزمن الذي مضى لأن أمس يستعمل بمعنى ما مضى من الزمان ، كما يستعمل الغد في معنى المستقبل واليوم في معنى الحال . وجمعها قول زهير : وأعلم علم اليوم والأمس قبله * ولكنني عن علم ما في غد عم وجملة : كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ إلى آخرها تذييل جامع ، أي مثل هذا التفصيل نفصل أي نبين الدلالات كلها الدالة على عموم العلم والقدرة وإتقان الصنع . فهذه آية من الآيات المبينة وهي واحدة من عموم الآيات . وتقدم نظيره في قوله تعالى : وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ في سورة الأنعام [ 55 ] . واللام في لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ لام الأجل . والتفكر : التأمل والنظر ، وهو تفعل مشتق من الفكر ، وقد مر عند قوله تعالى : قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَ فَلا تَتَفَكَّرُونَ في سورة الأنعام [ 50 ] . وفيه تعريض بأن الذين لم ينتفعوا بالآيات ليسوا من أهل التفكر ولا كان تفصيل الآيات لأجلهم . وتقدم ذكر لفظ القوم غير مرة في هذه السورة . [ 25 ] [ سورة يونس ( 10 ) : آية 25 ] وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 25 ) الجملة معطوفة على جملة كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [ يونس : 24 ] ، أي